الفيض الكاشاني

300

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

يخالفه والغضب يتبع ذلك فإنّه مهما أخذ منه محبوبه غضب لا محالة ، وإذا قصد بمكروه غضب لا محالة إلا أنّ ما يحبّه الإنسان ينقسم إلى ثلاثة أقسام : الأوّل ما هو ضرورة في حقّ الكافّة وهو القوت والمسكن والملبس وصحّة البدن ، فمن قصد بدنه بالضرب والجرح فلا بدّ وأن يغضب وكذلك إذا أخذ منه ثوبه الَّذي يستر عورته وكذلك إذا اخرج من داره الَّتي هي مسكنه وأريق ماؤه الَّذي هو لعطشه فهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها ومن غيظ على من يتعرّض لها . القسم الثاني : ما ليس ضروريّا لأحد من الخلق كالجاه والمال الكثير والغلمان والدّوابّ فإنّ هذه الأمور صارت محبوبة بالعادة والجهل بمقاصد الأمور حتّى صار الذّهب والفضّة محبوبين في أنفسهما فيكنزان ويغضب على من يسرقهما وإن كان مستغنيا عنهما بالقوت ، فهذا الجنس ممّا يتصوّر أن ينفكّ الإنسان عن أصل الغيظ عليه فإذا كانت له دار زائدة على مسكنه فهدمها ظالم فيجوز أن لا يغضب إذ يجوز أن يكون بصيرا بأمر الدّنيا فيزهد في الزّيادة على الحاجة فلا يغضب بأخذها فإنّه لا يحبّ وجودها ولو أحبّ وجودها لغضب بالضرورة على أخذها وأكثر غضب الناس على ما هو غير ضروريّ كالجاه والصيت والتصدّر في المجالس والمباهاة بالعلم فمن غلب هذا الحبّ عليه فلا محالة يغضب إذا زاحمه مزاحم على الصّدر في المحافل ومن لا يحبّ ذلك فلا يبالي ولو جلس في صفّ النعال فلا يغضب إذا جلس غيره فوقه ، وهذه العادات الرديّة هي الَّتي أكثرت محابّ الإنسان ومكارهه فأكثرت غضبه وكلَّما كانت الإرادات والشهوات أكثر كان صاحبها أحطَّ رتبة وأنقص لأنّ الحاجة صفة نقص فمهما كثرت كثر النقص والجاهل أبدا جهده في أن يزيد في حاجاته وفي شهواته وهو لا يدري أنّه مستكثر من أسباب الغمّ والحزن حتّى ينتهي بعض الجهّال بالعادات الرّديّة ومخالطة قرناء السوء إلى أن يغضب لو قيل له إنّك لا تحسن اللَّعب بالطيور واللَّعب بالشطرنج ولا تقدر على شرب الخمر الكثير وتناول الطعام الكثير وما يجري مجراه من الرّذائل ، فالغضب على هذا الجنس